السيد محمد سعيد الحكيم
111
في رحاب العقيدة
قال : وإنما قلنا : إن هذا وهم ، لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش ، وولدت له ، وهاجر بها - وهما مسلمان - إلى أرض الحبشة ، ثم تنصر ، وثبتت أم حبيبة على دينها . فبعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى النجاشي يخطبها عليه ، فزوجه إياها ، وأصدقها عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أربعة آلاف درهم . وذلك سنة سبع من الهجرة . وجاء أبو سفيان في زمن الهدنة ، فدخل عليها ، فنحت بساط رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حتى لا يجلس عليه . ولا خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ، ولا يعرف أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمّر أبا سفيان . وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث . كقول بعضهم : إنه سأله تجديد النكاح عليها . وقول بعضهم : إنه ظن أن النكاح بغير إذنه وتزويجه غير تام ، فسأل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يزوجه إياها نكاحاً تاماً ، فسلم له النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حاله وطيب قلبه بإجابته . وقول بعضهم : إنه ظن أن التخيير كان طلاقاً ، فسأل رجعتها ، وابتداء النكاح عليها . وقول بعضهم : إنه استشعر كراهة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لها ، وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها ، لا ابتداءه . وقول بعضهم : يحتمل أن يكون وقع طلاق ، فسأل تجديد النكاح . وقول بعضهم : يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل إسلامه ، كالمشترط له في إسلامه ، ويكون التقدير : ثلاث إن أسلمت تعطينيهن . وعلى هذا اعتمد المحب الطبري في جواباته للمسائل الواردة عليه ، وطوّل في تقريره . وقال بعضهم : إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى ، وهي أختها ، وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين ، لقرب عهده بالإسلام ، فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة ، حتى سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذلك ، وغلط الراوي في اسمها . وهذه التأويلات في غاية الفساد والبطلان . وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها ، ولا يصححون أغلاط الرواة بمثل هذه الخيالات